زكريا القزويني

103

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

ومن عجيب لطف اللّه تعالى أن كل مأكول ومشروب يحتاج إلى تحصيل أو معالجة حتى يصلح للأكل إلا الماء ، فإن اللّه تعالى أكثر منه ، ولا حاجة إلى معالجته ؛ لعموم الحاجة إليه ، فإن اللّه تعالى كفى الخلق ومعالجة إصلاح الماء بتأثير الشمس في مياه البحر وارتفاع البخار منها . ثم إن الرياح تسوق ذلك البخار إلى المواضع التي شاء وينزلها مطرا ، ثم يجون ذلك في الأوشال والكهوف في جوف الجبال وتحت الأرض ، وتخرج منها شيئا بعد شيء ، وتجري الأنهار والأودية ، وتظهر من القنى والآبار بقدر ما يكفي العباد لعامهم ، فإذا جاء العام المقبل أتاهم مطر وهكذا مثل الدولاب يدور حتى يبلغ الكتاب أجله ، فسبحانه ما أعظم شأنه ! 46 فصل : في صيرورة البحر في جانب الأرض إن من عجيب صنع اللّه تعالى انحسار الماء عن وجه بعض الأرض ، ولولا ذلك لكان الأمر الطبيعي يقتضي أن يكون الماء لابسا جميع وجه الأرض حتى تصير الأرض في وسطه شبيه بمح البيض ، والماء حولها بمنزلة البياض . ولو كان كذلك لبطل النظام الحسي والحكمة العجيبة التي مر ذكرها من خلق الحيوان والنبات ، فاقتضى التدبير الإلهي المخالفة بين مركز الأرض ومركز الشمس ؛ لتدور على مركزها الخاص الذي هو غير مركز الأرض ؛ ليقرب من ناحية من الأرض ، ويبعد الأخرى ، فصارت الناحية القريبة منها تحمي ماءها ، ومن شأن الماء إذا حمي أن ينجذب إلى الجهة التي يحمى فيها بالبخار ، فإذا انجذب إلى هناك انحسر عن وجه الأرض من الجانب الذي يقابله من الشق الذي تبعد عنه الشمس . والشق الذي قربت منه الشمس هو الجنوب ، والشق الذي بعدت عنه هو الشمال ، فصار جانب الجنوب بحرا ، وجانب الشمال يبسا ؛ لتتم حكمته وينتظر أمر العالم على ما هو موجود ، وما نرى من البحار مستنقعات على وجه الأرض ، وسيأتي شرحها إن شاء اللّه تعالى . 47 فصل : في أحوال عجيبة تعرض للبحار إن للبحار أحوالا عجيبة « 1 » من ارتفاع مياهها وهيجانها في أوقات مختلفة من الفصول الأربعة وأوائل الشهور وأواخرها وساعات الليل والنهار .

--> ( 1 ) كل هذه الأحوال دالة على قدرة اللّه تبارك وتعالى فتدبر .